الشتائم في الأدب. رواية" أم ميمي" كمثال.




لم أقرأ الرواية بعد، لكني كاتب مصري وأعرف جيدا كل أنواع الشتائم والسباب والبذاءات في الشارع المصري، ويمكنني تخيل انتخاب بلال فضل لحزمة مكتظة منتقاة وحريفة منها، نظرا لما يتمتع به من حرية الطرح وجرأة التحليل، وتعليقا على موضوع الشتائم هذا لن أدافع عن -أو أرفض- البذاءة في النص الروائي، فبعض البذاءات بالفعل منحرفة عن أهداف العمل الأدبي، ولا علاقة فنية مباشرة لها بالشخصيات، وأحيانا تكون مفتعلة وقبيحة عن عمد لجذب الجمهور الإباحي، لكن دوري النقدي يحتم علي التعريف بالتيارات والمدارس الأدبية العالمية التي لا تجد أدنى حرج في استخدام الخيال لقاموس السباب داخل القصة.

هناك عدة تيارات أدبية ونظريات نقدية تتناول الشتائم والبذاءة في الأعمال الأدبية، وتبرر استخدامها على ألسنة الشخصيات، سواء لأسباب فنية أو فلسفية. أهمها الآتي:


1- الواقعية (Realism) والطبيعية (Naturalism)

تؤكد الواقعية على تقديم صورة حقيقية وغير مزخرفة للحياة، بما في ذلك استخدام اللغة كما يتحدثها الناس في الواقع، حتى لو كانت مليئة بالشتائم أو البذاءة.

تأخذ الطبيعية هذا إلى مستوى أكثر حتمية، حيث ترى الشخصيات محكومة ببيئتها وظروفها، مما يجعل اللغة القاسية جزءًا أصيلًا من حياتها.

أمثلة: روايات تشارلز بوكوفسكي وإميل زولا وديكنز (في بعض الأحيان) تحتوي على ألفاظ مباشرة تعبّر عن الواقع الاجتماعي للشخصيات.

2- الحداثة (Modernism) والتعبيرية (Expressionism)

بعض الكُتّاب الحداثيين، مثل جيمس جويس في يوليسيس - رواية مؤسسة في الأدب الإنجليزي الحديث - وصمويل بيكيت، استخدموا لغة غير مهذبة لكسر التقاليد الأدبية وفضح زيف النبرة "المهذبة" في الأدب السابق.

التعبيريون يهدفون إلى صدمة القارئ عبر اللغة القوية لإثارة مشاعره وزعزعة أفكاره.

3- ما بعد الحداثة (Postmodernism) والسخرية (Irony & Satire)

تدمج ما بعد الحداثة الشتائم في السرد بطريقة واعية لنفسها، كوسيلة لتفكيك اللغة التقليدية والتعبير عن رفض السلطة الأدبية.

أدباء مثل كورت فونيغوت وديفيد فوستر والاس استخدموا الشتائم ليس فقط بوصفها وسيلة تعبير، بل كطريقة للسخرية من المجتمع.

والأدب الساخر بشكل عام يقوم منذ ما قبل التاريخ على النقد اللاذع الذي يصل حد التهجم والتهكم والقذف والسب، وأفضل أعمال فنية كوميدية في تاريخ مصر مقتبسة عن سيناريوهات أو روايات أبطالها الشعبيون لا يتوقفون عن النعوت المشينة لخصومهم، من باب الواقعية.

4- الواقعية القذرة (Dirty Realism)

تيار أدبي في أمريكا خلال الثمانينيات يركز على الشخصيات العادية أو المهمّشة، مع أسلوب مباشر وجاف، ويستخدم الشتائم واللغة السوقية لإبراز قسوة الحياة.

من رواده: ريموند كارفر وتشارلز بوكوفسكي وهاري كروز. يمكنك أن تنتقد الواقعية القذرة طبعا وترفضها، لكنها تظل مدرسة أدبية يعترف بها النقاد، ويصنفون على أساسها الأعمال التي تحتوي على سمات هذه المدرسة وخصائصها الفنية.

5- الأدب الثوري وأدب التمرد

كثير من الحركات الأدبية اليسارية أو التمردية، مثل كتابات جان جينيه وهنري ميلر ووليام بوروز، تستخدم الشتائم بشكل مقصود لكسر القواعد الثقافية البرجوازية وفضح النفاق الاجتماعي.

هذا ينطبق أيضًا على بعض روايات بيت جيل (Beat Generation)، مثل أعمال جاك كيرواك وآلان غينسبرغ.

6- التحليل النفسي (Psychoanalytic Criticism)

بعض النظريات النقدية المستمدة من فرويد ولاكّان ترى الشتائم كوسيلة تنفيس عن القلق أو العدوانية المكبوتة، أو كوسيلة لكشف اللاوعي عند الشخصيات.

في هذا السياق، الشتائم ليست مجرد كلمات، بل تكشف صراعات نفسية عميقة.

وحتى لا يصبح استشهادي محصورا في الثقافة الغربية، فإن عمنا وأستاذي نجيب محفوظ - أديب نوبل شخصيا - استخدم الألفاظ التحقيرية في كير من أعماله، فرغم أن محفوظ كان معروفًا بأسلوبه المحافظ نسبيًا في اللغة، إلا أنه استخدم ألفاظًا قاسية أو عامية جريئة في بعض أعماله، خاصة عندما تكون الشخصية تتطلب ذلك.

في أولاد حارتنا (1959)، ظهرت بعض الألفاظ السوقية التي تعكس لغة أبناء الحارة الشعبية. منطقي جدا، ولو لم يفعل لأخذت عليه نقديا وليست له، فلا يمكنك أن تتصور امرأة شعبية متدنية أخلاقية مثلا تقول (عمت مساء يا سيدي)، هذا مدمر للواقعية بشكل مزري.

في الحرافيش (1977)، استخدم محفوظ ألفاظًا تعكس قسوة الحياة في الأحياء الفقيرة والعنف المرتبط بالصراع على السلطة.

في الكرنك (1974)، استخدم بعض الألفاظ القوية على لسان رجال الأمن أثناء التعذيب، مما يعكس القمع السياسي.

وكان يوسف إدريس - ملك القصة القصيرة - أكثر جرأة في استخدام الألفاظ المباشرة مقارنة بمحفوظ، نظرًا لأسلوبه الواقعي الحاد.

في الحرام (1959)، استخدم لغة قاسية على لسان الشخصيات الريفية للتعبير عن الفقر والقهر الاجتماعي.

في بيت من لحم، استخدم بعض الألفاظ الجريئة في الحوار بين الشخصيات، خاصة في سياقات تتعلق بالغريزة والفقر.

ويُعد صنع الله إبراهيم من أكثر الكُتاب المصريين استخدامًا للغة الجريئة، نظرًا لأسلوبه الواقعي النقدي.

في اللجنة (1981)، استخدم ألفاظًا مباشرة في وصف المجتمع القمعي والبيروقراطية.

في شرف (1997)، استخدم ألفاظًا بذيئة بشكل صريح، خاصة في مشاهد السجن، حيث تعكس الشتائم طبيعة الشخصيات القابعة في قاع المجتمع.

وحدث ولا حرج عن أديب مصر العالمي علاء الأسواني، وحتى أستاذنا الكبير خيري شلبي لم يخالف المنطق في هذا الأمر.

لذا - وبنظرة نقدية بحتة - فإن الواقعية ونقل البيئة القاسية والشخوص الشعبية أو شديدة المحلية، بما في ذلك أسلوب كلامهم المتفرد ونوعية مصطلحاتهم المتحررة، هو من صميم عمل الكاتب الأديب والمؤلف الأريب، لنقل ما يريده من توظيف اللغة التي هي عنصر أساسي لتوصيف الشخوص وتجاربهم التي لا تتقيد إلا بعالم القصة الداخلي.


تعليقات

المشاركات الشائعة